said imani imani
آخر المستجدات:
لائحة طلبة الفلسفة 2019-2020.pdf -- "لائحة طلبة مسلك الفلسفة الموسم الدراسي 2019-2020 يمكن تحمليها من الرابط التالي: ..." -- 22 تشرين1/أكتوير 2019
لائحة طلبة علم الاجتماع 2019-2020.pdf -- "لائحة طلبة مسلك علم الاجتماع الموسم الدراسي 2019-2020 يمكن تحمليها من الرابط ..." -- 22 تشرين1/أكتوير 2019
أزمة الكتابة: وجهة نظر -- "من بين ما يسهم في تكريس هوية الأمم وبنائها، حرية التعبير والتسلح بالقلم من أجل إثبات ..." -- 06 أيلول/سبتمبر 2015
استعمال زمن الدورة الخريفية 2019- 2020 مسلك الفلسفة جميع الفصول -- "الجدولة النهائية لامتحانات الدورة الخريفية العادية لمسلكي الفلسفة و علم الاجتماع ..." -- 28 كانون1/ديسمبر 2019
استعمال زمن الدورة الخريفية 2019- 2020 مسلك الفلسفة جميع الفصول -- "استعمال زمن الدورة الخريفية مسلك الفلسفة . الموسم الجامعي 2020/2019 الفصل الخامس ..." -- 24 أيلول/سبتمبر 2019
استعمال زمن الدورة الخريفية 2019- 2020 مسلك علم الاجتماع جميع الفصول -- "الجدولة النهائية لامتحانات الدورة الخريفية العادية لمسلكي الفلسفة و علم الاجتماع ..." -- 28 كانون1/ديسمبر 2019
استعمال زمن الدورة الخريفية 2019- 2020 مسلك علم الاجتماع جميع الفصول -- "استعمال زمن الدورة الخريفية مسلك علم الاجتماع . الموسم الجامعي 2020/2019 الفصل ..." -- 24 أيلول/سبتمبر 2019
استعمال زمن الدورة الربيعة 2019-2020 لعلم الاجتماع جميع الفصول -- "الفصل الرابع والسادس   " -- 05 آب/أغسطس 2020
استعمال زمن الدورة الربيعية 2019-2020 فلسفة - جميع الفصول -- "الفصل الرابع والسادس" -- 05 آب/أغسطس 2020
الشخصانية لإمانويل مونيي -- "بعد جهد جهيد حاولنا في الشبكة التربوية فيلومغرب توفير كتاب الشخصانية لمؤلفه ايمانويل ..." -- 15 تشرين2/نوفمبر 2018

التمثلات الاجتماعية لفيروس كورونا وإعادة بناء السلوك الاجتماعي

    دراسة ميدانية من إنجاز: حمزة شيوب، عاصم العبوتي وعلي العبوتي*

    تقديم

    في ظل تفاعلنا المتواصل مع المجتمع، وبُغية إرساء الأسس التي تعلّمناها، ونتعلمها، من داخل فصول الدراسة حول تقنيات البحث العلمي ومناهج تحليل الظواهر الاجتماعية، وإيماننا المعرفي بضرورة بلورة مكاسبنا في النظريات السوسيولوجية، قرّرنا إنجازَ بحث ميداني حول السلوكات المصاحبة لانتشار فيروس كورونا المُعدي، والتوقف عند أهم التغيرات الاجتماعية التي سبّبها الأخير من خلال تعامل الأفراد فيما بينهم، وكذلك رصد ردود أفعالهم تجاه النشرات الإحصائية المتعلقة بالحالة الوبائية (أعلنت منظمة الصحة العالمية يوم 11 مارس 2020 أنها باتت تعتبر فيروس كورونا المستجد المسبب لمرض كوفيد – 19 وباءً عالمياً) في العالم.

    ما هو فيروس كورونا (كوفيد – 19)؟

    فيروسات كورونا هي سلالة واسعة من الفيروسات التي قد تسبب المرض للحيوان والإنسان. ومن المعروف أن عدداً من فيروسات كورونا تسببُ لدى البشر أمراضاً تنفسية، تتراوح حِدتها من نزلات البرد الشائعة إلى الأمراض الأشد وخامة، مثل متلازمة الشرق الأوسط التنفسية (ميرس)، والمتلازمة التنفسية الحادة الوخيمة (سارس). ويسبب فيروس كورونا المُكتشف مؤخراً مَرَضَ كوفيد – 19، الذي يعتبر مرضاً معدياً يسببه آخر فيروس تم اكتشافه من سلالة فيروسات كورونا. ولم يكن هناك أي علم بوجود هذا الفيروس الجديد ومرضه قبل بدء تفشيه في مدينة "ووهان" الصينية في كانون الأول/ ديسمبر 2019.

 

 

    أهمية البحث

    تتجلى الأهمية العلمية لهذا البحث في كونه أولا يحاول التقاط ما ظهر وما بطن من السلوكات الاجتماعية التي استجدّت مع تفشّي فيروس كوفيد – 19، وكذلك رصد التمثلات الاجتماعية للأفراد تجاه هذا المرض وانتشاره في المجتمعات على المستويات العالمية. فيما يُعدّ من ناحية ثانية بوّابة قد تفتح مصراعيها نحو معطيات معرفية جديدة ونتائج ميدانية مختلفة عن سابقاتها، والتي ستخوّل زيادة الاهتمام بالظواهر المصاحبة لانتشار الأمراض الوبائية.

    المنهج

    طبيعة هذه الدراسة وَوِعاء إنجازها يستلزمان اتباع المنهج الوصفي التحليلي. وهنا يجب عدم الخلط بين منهج البحث وأدواته، فمفهوم المنهج أعمّ بكثير من مفهوم الأداة، فهذه الأخيرة تندرج في إطار المنهج الذي يغطيها. والمنهج يشكل وسيلة البحث التي تلائم مقاربة ظاهرة معينة حسب طبيعتها. أما المنهجالوصفيفهو تحديد المكونات المؤدية إلى وضعية معينة، والعمل على وصف العلاقة الموجودة بين عناصرها، وهو يُزوّد الباحث بصورة دقيقة عن الظاهرة التي يقوم بدراستها. أما المنهج الوصفي التحليلي فهو أحد فروع المنهج الوصفي المتخصصة والتي كانت بمثابة أحد التطورات التي قام الباحثون العلميون بإضافتها على صورة المنهج الوصفي ليقوم فيها المنهج الوصفي التحليلي بوظيفة إضافية أكثر مرونة وفائدة، إلى جانب وصف الظواهر عن طريق الملاحظة وطرقها المختلفة، حيث يقوم بفعل ما يطلق عليه تحليل الظواهر ومقارنتها بشكل أكثر تفصيلاً.

    تقنية البحث

    تقنية البحث هي الوسيلة والطريقة التي من خلالها يتم استخراج المعطيات الميدانية من حقل الدراسة. وفي موضوعنا هذا، وانسجاما مع طبيعته، استخدمنا تقنية الملاحظة بالمشاركة L’observation participante، وهي النوع الذي لجأ إليه الكثير من الأنثروبولوجيين، وذلك للاقتراب ما أمكن من عالم المجتمع المدروس وللتعرف من الداخل على خصائصه الاجتماعية والثقافية. وتقتضي الملاحظة في هذه الحالة المشاركة الفعلية في الحياة الاجتماعية لمجتمع الدراسة، شريطة أن يتحقق الاندماج والقبول الاجتماعي للباحث من طرف المبحوثين، أو من خلال أداء أدوار اجتماعية واقتصادية وإدارية أحياناً لا تتنافى مع الشروط الأخلاقية لممارسة البحث، ولا تخلق انزعاجاً بالنسبة للمبحوثين.

    ميدان البحث

    تتمحور معظم دراساتنا الوصفية في هذا البحث حول مجتمع إقليم الحسيمة من جهة، ووسائط التواصل الاجتماعي من جهة أخرى.

 

    1 – التمثّلات الاجتماعية:

    شكلت العدوى والفيروسات عبر الأزمنة لحظات فارقة ومفصلية تستدعي التأمل واستخلاص الدروس، ليس من الناحية العلمية والطبية فقط، بل من الناحية الاجتماعية أيضا، كمجالٍ يحدد نوعية السلوك والتفاعلات التي تعكس طبيعة ردة فعل المجتمع اتجاه هذه اللحظات الاستثنائية. ومن أجل ذلك يستلزم هذا الأخير قراءةً في بنية التصورات السوسيوثقافية، من خلال البحث عن ثمثلات الأفراد التي يمتلكها حول هذه الأمراض والأوبئة.

    يشير مفهوم التمثل إلى تكييف سلوك الفرد وتفكيره وفقاً لحياة الجماعة، وتماشياً مع أنماط البيئة الاجتماعية، وبهذا تكون التمثلات عبارة عن مواقف توجه السلوك وتحدد عدداً من الاستجابات التي يتعين أن يصدرها الفرد كردّ مباشر أو غير مباشر تجاه مثير داخلي أو خارجي، وقبل الغوص في تحليل التصورات الذهنية والتمثلات الثقافية لمجتمع الدراسة لا بد من الإشارة إلى أن فيروس كورونا/ كوفيد 19 المستجد، شكل أحد الأوبئة الخطيرة التي شملت العالم بأسره، فالبشرية تواجه أشد وأفتك وباء في الألفية الثالثة، وجدير بالاهتمام أن هذا الوباء يُعاش كأول تجربة للأجيال الممتدة من ستينيات القرن الماضي إلى الآن، لأن العالم شهد قبل ذلك أسوأ وباء سببته الأنفلونزا الإسبانية التي تعود إلى سنة 1918، حيث خلف، عبر موجاته الثلاثة، ما بين 50 و100 مليون حالة وفاة.  ومنذ ذلك الحين لم تعرف الأجيال المتعاقبة أسوأ من الوباء الحالي (كوفيد 19)،لهذا يمكن القول أن ما يميز تجربة الوباء وعلى خلاف المرض، أنه يُعاش كتجربة جماعية وليس فردية.

    ولعل ما يميز وباء كورونا أن التمثلات حوله قد انتقلت من الإطار المحلي الضيق نحو المجال العالمي بمختلف مجتمعاته المتقدمة والنامية، وأصبحت موضوع العصر، حيث أصبح العالم يُختزل في كلمة واحدة: "كورونا"، وأصبح الكل يترقب أخبارها على الصعيد العالمي، حيث أن الوباء يعاش كتجربة جماعية تعيد إنتاج قيم ومفاهيم ومسلكيات ونظم ورؤى. إن المجتمع  عبر مختلف البنيات الثقافية والاجتماعية، يبدأ في البحث عن تفسير  للوباء لكي ينشئ سردية ''مقنعة'' له، أو  لكي يُعبّر عن تمثلاته لهذا الوباء، والتي لا تكون بالضرورة مبررة من الناحية العلمية أو الفكرية، بل قد تكون عبارة عن استيهامات وجودية.

    في هذا السياق، وبعد ملاحظة ومتابعة السلوك الاجتماعي بمنطقة الدراسة منذ تاريخ الإعلان عن حالة الطوارئ يوم 20 مارس إلى حدود هذه اللحظة، اختلفت الرؤى والتمثلات، واتجهت نحو ثلاث منحنيات مختلفة: الأول تنظر إلى الوباء من زاوية ميتافيزيقية تستند إلى التفسير الديني والأسطوري، والثاني يفسر الوباء بنظرة المؤامرة والحرب البيولوجية التي تشترك فيها الصين والولايات المتحدة الأمريكية ودول أخرى، أما الثالث فيستند إلى ما يقوله الأطباء وعلماء الأوبئة، وكذلك ما تمليه المنظمة العالمية للصحة.

    النظرة الميتافيزيقية وبناء التمثلات الاجتماعية حول الوباء

    خلق الوباء في بدايته، بعد ظهور الحالات الأولى بالمغرب، والإعلان عن حالة الطوارئ، جوّاً من الرعب والخوف في الأوساط الاجتماعية، وتم اعتباره في نفس الوقت من طرف أفراد المجتمع موضوعاً للسخرية. فغياب معلومات كافية حول الوباء وطريقة تفشّيه، جعل شريحة كبيرة من الناس تقوم بتفسيره من خلال منطق خارج عن نطاق الواقع (ميتافيزيقي)، حيث هناك من يعتبر الوباء  "عذاباً" من الله، وهناك من يقول أنه جند من جنود الله، والسبب وراء حدوثه يعود إلى سلوكاتنا غير السليمة والمنهيّ عليها شرعاً. إن هذه التصورات تتغذّى من القيم والمعتقدات الدينية المنتشرة في مجتمع الدراسة، حيث هناك من تجاوز كون الوباء عقاباً من الله إلى اعتقادٍ جازم بأن العالم يشهد لحظة زواله، وأن يوم القيامة قد أوشك على الاقتراب، وهذه الشريحة التي تعتقد بصحة هذه التصورات غالبا ما لا تطبق شروط السلامة الصحية التي تفرضها المؤسّسات المختصة، وتلك التي تنصّ عليها منظمة الصحة العالمية، مثل عدم ارتداء الكِمامات الطبية، وعدم الالتزام بالعزل الصحي... وكما أشار الباحث رشيد جرموني فـ"إن هذا التمثل لا يبقى في دائرة الذهن، بل إنه يؤثر على سلوك الناس اتجاه الوباء، إما بعدم الامتثال للتعليمات الطبية (استعمال الكمامة، المطهرات...) أو الحكومية (الحجر الصحي، التباعد الاجتماعي...).

    إن الدين شكّل على الدوام، عنصرا مهما في الدعم العاطفي والنفسي، بل وآلية من آليات الضبط الاجتماعي، للأفراد والجماعات في التخفيف من معاناتهم وعجزهم وضعفهم. ومن جهة أخرى، فإن الدين ظل يقدم الأجوبة عن كون الأوبئة والأمراض والمجاعات والحروب، ليست سوى ابتلاءات من الله لعباده كي يختبرهم ويختبر  إيمانهم وصبرهم.

    نظرة المؤامرة

    دائما خلال البدايات الأولى للوباء، حين كان منتشراً في مدينة "ووهان" الصينية، كانت التفسيرات السائدة عند مجموعة من الأشخاص أن الأمر محض حرب بيولوجية شنّتها الولايات المتحدة الأمريكية على الصين. وبعد تخطي الوباء عتبة حدود الصين وانتشاره في كوريا الجنوبية وإيران أصبحت أمريكا أكثر اتهاماً، وهذا ما دفع بالكثير من الناس للاعتقاد في البداية أن الوباء لن يطال إلا أعداء الولايات المتحدة الأمريكية، وسار الأمر بهؤلاء الأفراد بالاعتقاد أن عصر الحروب العسكرية قد انتهى، وأن الحروب الآن ستتخذ منعطف آخر دون أي حركة عسكرية. لكن سرعان ما سينفذ الوباء حدودَ أوروبا، بداية بإيطاليا ثم تلتها جميع دول الاتحاد الأوروبي، لِيصل إلى أمريكا نفسها وينتشر فيها بوتيرة كبيرة، فاقت عقِبها نسبة المصابين والوفيات عتبة كل الدول، مما جعل التفسيرات السابقة أقل مصداقية، بالرغم من أن هناك من تشبث بالدفاع عنها في وسائل التواصل الاجتماعي، التي كانت المنفذ الوحيد للتعبير عن الآراء والأفكار في فترة الحجر الصحي، معتبرين أن ما يصوره الإعلام عن تفشّي الوباء في أمريكا هو ضرب من الوهم وليس حقيقياً.

 المقاربة الطبية

    تمكنت المقاربة الطبية، التي تجسدت في تصريحات المنظمة العالمية للصحة، من إيصال صوتها إلى أكبر عدد من الشعوب والدول، حيثُ أصبح الإعلام العالمي يغطي كل ندواتها ويعمل على نقل كل اللقاءات الإخبارية لتطور الوباء، وكذلك الخلاصات التي يتوصل إليها خبراؤها لكي يتم تطبيقها من طرف الحكومات، فرغم تذبذبها في المواقف بخصوص الوباء إلاأنها كانت مصدراً موثوقاً يتبناه مجموعة من الأشخاص في مختلف البلدان ومنها مجتمع الدراسة. نتحدث هنا عن أشخاص يقتنعون تماما بكل ما تُمليه المؤسسات الصحية، سواء الوطنية أو المتعلقة بالمنظمة العالمية للصحة، ويطبقون كافة التدابير الموصى بها إعلامياً من تعقيم للسكن وغسل للأيادي وارتداءٍ للكمامات وعزلٍ تام خلال فرض الحجر الصحي وحفاظٍ على التباعد خلال مراحل التخفيف. تجدر الإشارة إلى أن معظم هؤلاء هادئون في تفاعلهم مع الوباء، بالرغم من وجود أفراد من بينهم وصل بهم الاحتراز إلى الإصابة بالوسواس القهري.

 

    2 - السلوك الاجتماعي:

    قبل أن نسهب في الحديث عن السلوكات الاجتماعية، التي برزت في هذه الظرفية الاستثنائية بسبب الحجر الصحي المفروض على أفراد المجتمع كُليةً للحد من انتشار الوباء، سنقف عند تحديد مفهوم السلوك الاجتماعي. إننا نستعمل لفظة "السلوك" كثيراً في حياتنا اليومية، وهي مفردة تداولية على الألسنة، نقول مثلا: "سلوككَ مشين" أو "أنت بسلوكك معي تضع حداً لعلاقتي معك" أو "سلوكك يبين مدى وعيك"... إلى آخره من الجمل التي تستعمل فيها هذه الكلمة.

    إن السلوك الاجتماعي هو تلك الحوادث الجارية في حياة الفرد اليومية، والأنشطة التي يقوم بها الفرد ويتفاعل بها مع مجموعة من الأفراد ويتفاعلون بها معه، ونستطيع ملاحظتها موضوعياً، وتتمظهر على شكل تعبيرات لفظية أو غير لفظية، وهناك اختلافات في بعض التعبيرات غير اللفظية، خاصة الإشارات حسب ما هو سائد في ثقافة الشعوب.

    لقد تناول الكثير من الباحثين في علم الاجتماع وعلم النفس مفهوم السلوك الاجتماعي، وهنا نستحضر نظرية "ولتر ميشيل"walter Mischel ، الذي يرى أن السلوك الاجتماعي للفرد يتحدد من خلال تفاعل الحالات البيئية بين الأفراد، وتأثرهم بالتفاعل فيما بينهم، مما يؤدي إلى ارتباط هذا السلوك بموقف معين ويستفيد الإنسان من خبراته وطاقاته المعرفية في ذلك. كما يرى أن الإنسان كائن نشِط لعالمه الخاص، وأن التنبؤ بسلوكه يتطلب فهم الظروف البيئية للشخص في الموقف الذي يتضمن كفاءته واتجاهاته وأساليب تنظيمه الذاتي، وأن الأفراد قادرون على تقدير سلوكهم الاجتماعي ونتائج استجاباتهم الخاصة من خلال وعيهم للأحداث في المواقف المختلفة، وأن جميع الأفراد لهم مجموعة من الاتساقات الداخلية ولكل فرد (منظم) طريقة خاصة به لا يمكن تعميمها بين الأفراد.

    يتجسد السلوك الاجتماعي عبر مجموعة من المواقف الظاهرة، مثالاً على ذلك؛ نجد طريقة إلقاء التحية التي تختلف من مجتمع لآخر، وهذا يسمى سلوكا ظاهرياً، وفي جانب آخر هناك سلوك داخلي، أي عملية عقلية يتبِعها الفرد كالتفكير والتذكر والإدراك والتخيل وغيرها، ولا نستطيع أن نلاحظها مباشرة وإنما نستدل على حدوثها عن طريق ملاحظة نتائجها، وفق تصرفات الفرد إذا كان سلوكا ظاهرياً أو نتائج العمليات العقلية إذا كان سلوكاً داخلياً والذي يصدر عن الفرد، إن لكل مجتمع تقاليده وأعرافه، بل حتى ديانته، ويمكن أن نقول: "هذا سلوك اجتماعي" وذاك "سلوك لا اجتماعي" وفق ما هو سائد ومتعارف عليه، فالسلوكات الاجتماعية تختلف من مجتمع لآخر وفق طبيعة المنطقة وخصوصيتها الثقافية والاجتماعية.

     إن هذه التوطئة كانت مدخلا أساسياً لتحليل السلوك الاجتماعي لمجتمع الدراسة في ظل الحجر الصحي. فكيف كان التواصل الواقعي بين أفراد المجتمع قبل ظهور وباء كورونا وفرض الحجر الصحي؟ وكيف أمسى بعد ذلك؟

    إذا أخذنا المصافحة مثلا، فقد كانت النسوة حين يلتقين ببعضهن البعض، يتباوسن من الخدود، من ست إلى ثماني قبلات، فيما الرجال يصافحون بعضهم البعض بالضغط على اليد لتبيان قوة الرجل، هذا في حالة اللقاءات العادية اليومية تقريبا، أما إذا صادف غياب شخص لمدة تفوق الشهر أو أكثر فيحضر العناق والضرب على الأكتاف، وفي المقاهي كانت الطاولة الواحدة تسع أحيانا لست إلى سبع زبناء أو أكثر في حالة كانت هناك مبارة كرة قدم، وفي الساحات العمومية وفي أوقات العشي، قبيل غروب الشمس تشاهد الشيوخ بالخصوص مجتمعين مجموعات متلاصقة أحيانا يلعبون النرد، وكانت الحدائق تكتظ بالجالسين ملتصقين فيما بينهم مشكلين مجموعات تفوق غالبا خمسة أشخاص، وفي وسائل التنقل سواء الحافلات أو سيارات الأجرة الصغيرة أو الكبيرة بكونها وسائل نقل ذات دينامية يومية ويستعملها فئة واسعة من أفراد المجتمع، وكانت الحافلات في الغالب تتسع لما فوق طاقتها الاستيعابية دون أدنى تأفف من الراكبين وإن كانت الأجساد ملتصقة فيما بينها.

    هذه جملة من السلوكات اليومية التي نلحظها ويتفاعل بها الأفراد فيما بينهم وإن اختلفت بين الجنسين، إلا أنه ومع بروز هذا الوباء وانتشاره وما رافقه من تحذيرات منظمة الصحة العالمية ووزارة الصحة المغربية ولما اكتسب صفة الخطر وهذا أكيد أثر على نفسية الأفراد جميعا على المستوى النفسي وإن حاولوا في مرات كثيرة أن يسخروا من المرض والتقليل من خطورته وهذا ما أكده الكثير من أفراد العينة، الذين أكدوا في بداية بحثنا على أن كوفيد19 ما هو إلا مؤامرة عالمية وصراع الأقطاب الكبرى في العالم على من يبسط سيطرته على العالم، وأن فيروس كورونا اختراع مرده النيل من اقتصادات الدول العالمية الكبرى، أو كما وصفه البعض بحرب عالمية ثالثة لكن بصيغة أخرى غير التي عرفتها الحربين السابقتين باستعمال الرصاص والقنابل والدبابات، لأنه وحسب قولهم وتفسيرهم لا يمكن ذلك في ظل الثورة التكنولوجية الحالية وانتشار وسائل التواصل الاجتماعي مما حذا بالدول الكبرى وخاصة الصين حسب ادعائهم إلى اختراع هذا الوباء للقضاء على البشرية بطريقة أسهل، وإن كانت أعداد الموتى حقيقية فإنهم يموتون بسبب آخر لا بسبب كورونا، تبقى هذه فرضيات بعض أفراد الدراسة الذين تناولوها من زاوية سياسية صرفة، إلا أن هذا لم يمنعهم في الأخير من التفاعل مع الوضع الاستثنائي والتقيد بالتعليمات الوقائية للحد من هذا المرض، وإن كان هذا التقيد استجابة لأوامر الآباء والأمهات، أي الأسرة، قبل أن يكون تنفيذا لأوامر الوزارة الوصية، لذلك فقد برز في الواقع سلوك اجتماعي آخر، تفاعل مغاير للأفراد فيما بينهم، حوارات بصيغ تهكمية من جهة وتنبيهية جدية من جهة آخرى، فالملاحظة المباشرة للعينة المدروسة وفي تفاعلنا معهم، نجد أن غالبية الأفراد في بداية الحجر الصحي يضعون الكمامات وحتى القفازات البلاستيكية ويتباعدون لأكثر من متر فيما بينهم، ففي مشهد قد يكون مثيرا للضحك لدى العامة، إلا أنه يجسد حجم القلق والخوف الذي سكن المجتمع، التقى شيخان فلاحان وقبل اقترابهما من بعضهما البعض وكانا على بعد خمس إلى سبع أمتار، تذكرا مسألة التباعد فأشار أحدهما للآخر: "قفْ هناكْ، كورونا، لا تقترب، احترم مسافة الآمان، متر واحد"، استجاب الآخر بشكل فوري للأمر، توقفا، كانت المسافة فيما بينهما متر إلى متر ونصف، كان يمسكان عكازان، ولأن المصافحة أمر يشكل خطرا على صحتهما، فقد رفع كلاهما عكازه في السماء قليلا حتى التقيا وكان هذا بمثابة مصافحة مبتكرة في زمن "كورونا"، ما يفترض أنما خائفان من أن يعدي أحدهما الآخر ما سيفضي إلى موتهما، خصوصا أن ما تناقلته وسائل التواصل الإجتماعي أن الشيوخ هم الأكثر عرضة لخطر الموت لأن مناعتهما تكون أضعف من الشباب، ما يجعلهم أكثر يقظة وحرصا على سلامة صحتهما من غيرهم، وفي موقف آخر وهذا يتكرر غالبا بين الشباب، وحين يلتقون وإن لم يحترموا مسافة المتر فإنهم يتصافحون بمرفقيهما أو برجليهما، وهذا تحول في السلوك الذي لم يكن يحدث قبل انتشار الوباء وفرض الحجر الصحي وإن كانت بعض المواقف النادرة نلحظ فيها مصافحة بالأرجل والسواعد والمرفق فإن ذلك لا يعدو أن يكون سوى مزاحا، لكن الآن صار سلوكا مجسدا عند كثير من أفراد المجتمع، تحول من السخرية إلى الجدية، هو نتاج لهلع نفسي فرض على الأفراد التقيد بهذه التحية أولا لسلامتهم وثانيا حفاظا على آواصر الصداقة والأخوة، كون أن المجتمع ينظر بعين اللأخلاقية إذا ما امتنع شخص عن مصافحة الآخر، مما قد يثير الشك عندهم بتشنج العلاقات الاجتماعية بينهما، فنجد أن غالبية الأفراد مقيدون بين أمر التباعد الاجتماعي لسلامة صحتهم وأمام ابتكار أنواع جديد من السلوكات حفاظا على العلاقات الاجتماعية من الزوال، هنا نسجل مسألة ضبابية في فهم التدابير الاحترازية وصعوبة تطبيقها من لدن الكثير.

    ونسجل أيضا أن أكثر من تقيد بالتعاليم وآمن بخطورة الفيروس هم الشيوخ والنساء والأطفال، فيما هناك لامبالاة لدى غالبية الشباب، إلا الذين يعانون من أمراض مزمنة، ولعل مرد ذلك إلى ما تناقلته وسائل الإعلام، إما نقلا عن منظمة الصحة العالمية أو من بلاغات وزارات الصحة لكثير من البلدان الأوربية والعربية. وقد أشرنا سابقا إلى أن تناقل معلومة أن الشيوخ هم الأكثر عرضة للإصابة بالفيروس، حذا ببعض الشباب إلى الاستهتار بخطورة المرض، وألزم الشيوخ والعجائز المكوثَ بالمنازل والالتزام التام بالحجر الصحي، وإن حصل وخرجواْ إلى الشارع العام فذلك لغاية ملحة يرتدون إزاءها الكمامات ويتجنبون التجمعات.

    إن ظروف التخفيف التي أعقبت حالة الطوارئ، والتي سمحت بفتح المقاهي والمطاعم بشروط مشددة أنتجت لنا مشاهد أخرى من السلوكات الاجتماعية بين الأفراد، وساهم في خلق تباعد اجتماعي حقيقي وتشكلت الثنائيات على الطاولة عوض المجموعات التي كانت تفوق الست أفراد كما في السابق، ولوحظ تذمر غالبية زبناء المقاهي من منع الجلوس داخل المقاهي واكتفاء مستخدمي المقاهي بتنفيذ طلبيتهم وشربه حيث يشاؤون، وهذا تعامل جديد قد يكون عاديا في دول أخرى ومدن كبرى خاصة الزبناء الذين يكونون في مقرات عملهم ولا يسمح لهم الوقت للجلوس في المقاهي، إلا أنه في المجال المدروس نجد ذلك استثناء نادرا لندرة المصانع والشركات وكثرة البطالة لدى الشباب الشيء يجعلهم يجزون أوقات فراغهم في المقاهي ما جعلهم يمتعضون ويعتبرون هذا التعامل شاذا لا يستطيعون تقبله والتعايش معه.

    إن السلوك الاجتماعي للأفراد تغير بسبب العامل النفسي الذي أثر فيه الإعلام بشكل كبير فوجد الأفراد أنفسهم مضطرين إلى التعامل مع الوباء بشيء من الجدية والمسؤولية وإن بدت سلوكاتهم الظاهرة فيها كثير من السخرية إلا أنها سخرية مصطنعة لبعث الأمل في النفوس، إيمانا منهم أن قوة المناعة هي الوحيدة التي تدفع عنهم شر المرض.

 

 

 

    خلاصة تركيبية

    لقد بات واضحاً، إذن، من خلال ما جاء في هذا البحث، أن ما استطعنا التوصل إليه من خلال معاينتنا للمجتمع المدروس، يشكل تحليلا لتغيرات بارزة، ليس على مستوى السلوك الاجتماعي فقط، بل حتى على مستوى نمط العيش، الذي قد يتطور مع الكثير من الأشخاص إلى تغيير أنظمتهم الغذائية، خصوصاً مع تكاثر الإشاعات المتعلقة بتقوية بعض المزروعات الطبيعية لمناعة الإنسان. وهذا في مجمله يرتبط كلياً بالتمثل الذي يبنيه كل فرد تجاه المرض عامة، وتجاه وباء كوفيد – 19 وما صاحبه من دعايات إعلامية خاصة. وكورونا يعتبر لحظة فارقة في تاريخ تطور المجتمعات، إذ أنها، إلى جانب تأثيراتها على الصحة والاقتصاد والسياسة، أثرت كذلك على البنية الاجتماعية، وغير مسارات عدة في أنساق العلاقات بين الأفراد، سواء في ظل المجتمع الواحد، أو في صلب علاقة المجتمعات ببعضها البعض.

  

    المصادر والمراجع:

    -منظمة الصحة العالمية

    - د.أحمد أوزي، منهجية البحث وتحليل المضمون، مطبعة النجاح الجديدة/الدار البيضاء، الطبعة الثالثة 2015/2016.

    - ذ. عمار حمداش، تقنيات البحث السوسيولوجي، المطبعة السريعة، الطبعة الأولى، 2006.

    - أسعد رزوق، موسوعة علم النفس، مراجعة عبد الله عبد الدّايم، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، الطبعة الثانية، 1979.

    - رشيد جرموني، موقع بناصا، التمثلات الذهنية والثقافية لوباء كورونا (كوفيد19)... وقفة تأمل. https://banassa.com/orbites/21801.html

   - م. حسين عبيد جبر/ م. بشرى سلمان كاظم، مجلة مركز بابل للدراسات الإنسانية، المجلد 4، العدد 2.

 

    * طلبة بمسلك علم الاجتماع، شعبة الفلسفة وعلم الاجتماع وعلم النفس، كلية الآداب والعلوم الإنسانية، مرتيل.

الأكثر مشاهدة

26.05.2020

المجتمعات العاطفية:

المجتمعات العاطفية: الفكر المضاد للاستعمار

+ View

01.12.2018

لعنة شوبنهاور في أعمال

يعد الخوف والقلق من المشاعر الوثيقة نسبيا، من

+ View

21.11.2018

مزاتشيو… الرؤية الجمالية

أنجزالرسام الإيطالي توماسو دي جيوفاني كساي

+ View

15.11.2018

في النص الفلسفي

إن حديثي عن النص الفلسفي لن يكون في الواقع إلا

+ View

15.11.2018

لماذا نتعلم الفلسفة؟

إذا كان الحديث عن تعليم الفلسفة هو في حد ذاته

+ View

15.11.2018

الإستعارة في النص الفلسفي

 نظرا للمكانة التي تحتلها الاستعارة في

+ View

الأكثر قراءة

إشكالية تعليم الفلسفة ...

معلوم أن الفلسفة تنشد الوصول إلى المعرفة ...

+ View

الإستعارة في النص الفلسفي

 نظرا للمكانة التي تحتلها الاستعارة في ...

+ View

القرآن والتاريخ

شارك الدكتور أحمد بوعود يوم السبت 10 نوبنر ...

+ View

دراسات وأبحاث

سياسة النشر على الموقع

يسرنا في هيئة تحرير الموقع الرسمي لشعبة ...

اليوم الدراسي الخاص ...

تقرير حول اليوم الدراسي هل يعكس تعدد الكتب ...

الفلسفة عبر اعمال بعض ...

هذه ترجمة قمت بها منذ عدة سنوات.. وجدتها من ...

درس العلوم الانسانية في ...

هده لمحة مختصرة جدا عن درس العلوم الانسانية في ...

Scroll to top